محمد ابو زهره
954
خاتم النبيين ( ص )
كان النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم في ذلك الوقت العصيب يثير عزائم أصحابه ، ولا يكتفى بأن يحثهم على الخروج ، بل يحثهم على أن يعين بعضهم بعضا ، وأن ينفقوا في الحرب ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة ، وأنه يحتاج إلى الزاد والراحلة والشقة بعيدة ، ولم يكن له اختيار في الأمان كما ذكرنا بل إنه إذ علم أن الروم يتجمعون لاقتلاع هذا الدين من الأرض العربية ، وليستذلوا العرب ويقضوا على منبع العزة فيهم ، فما كان له أن ينتظر ، بل لا بد أن يبادرهم ، ولا ينتظرهم ، لقد أراد أن يخرج لهم بأكبر غزوة يغزوها ، أن يخرج بثلاثين ألفا ، فلا بد أن يكون في يده ما يغزوهم به ، وما يحملهم عليه ، ولا يكون معه إلا القوى الأمين . ذكر ابن إسحاق بسنده أن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم جد في سفره ، وأمر الناس بالجهاد والانكماش ( الإسراع ) وحض أهل الغنى على النفقة ، والحملان في سبيل اللّه تعالى فحمل رجال من أهل الغنى ، وكان لعثمان ذي النورين الحظ الأكبر من الإنفاق ، حتى كاد يحمل الجيش كله . روى الإمام أحمد أن عثمان ابتدأ بألف دينار فصبها في حجر النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وقال عبد اللّه بن أحمد في مسند أبيه بسنده قام النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم فحث على الإنفاق على جيش العسرة ، فقال عثمان بن عفان عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها ، ثم نزل مرقاة من المنبر ، ثم حث ، فقال عثمان على مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها ، فقال النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « ما ضر عثمان عمل بعد هذا » ولقد قال النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « من جهز جيش العسرة غفر اللّه تعالى له » . هؤلاء المؤمنون كان منهم من حمل نفسه وحمل معه زاده كعبد الرحمن بن عوف ومنهم من تبرع بزاد وحملان لغيره كأبي بكر وعمر ، وغيرهما من ذوى اليسار من المهاجرين والأنصار . ولكن كان من بين المؤمنين الصادقين البكاؤون ، وأولئك أرادوا الجهاد وألا يتخلفوا عن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم في نفير كهذا النفير ، الفاصل بين نشر الإيمان في الأرض وبين أن يقضى عليه في مهده أهل القوة فيها . كان هؤلاء النفر السبعة الذين سموا البكائين ، وقد ذهبوا إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم فاستحملوا رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم بأن طلبوا منه ما يحملهم عليه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم « لا أجد ما أحملكم عليه » .